الذهبي
1052
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
آلاف درهم ، فقال : وأين هِيَ ؟ فقلت : حتى نُصبح أَنَا أرسلُ مِن ترى أنتَ إلى وكيلي في منزلتي بعسكر المهديّ ، فإنْ لم يأتِكَ بالعشرة آلاف فاقتلني ، فأمر بحملي فحُملت رِدفًا ، وردّوني إلى منزلتهم ، وبعد هُويّ مِن اللَّيْلِ إذا نَحْنُ بحركة الْخَيْلِ ، ثمّ دخلوا وهم يقولون : بسر زُبيدة ، فأُدخِل عليّ رجلٌ عُريان عَليْهِ سراويل وعمامة ملثَّم بها ، وعلى كِتَفْيه خرقة خَلقة ، فصيروه معي ، ووكّلوا بنا ، فلمّا حسَر العمامة عَنْ وجهة إذا هُوَ محمد ، فاستعبرتُ ، واسترجعت في نفسي ، ثمّ قَالَ : مِن أنت ؟ قلت : أَنَا مولاك أحمد بْن سلام ، فقال : أعرفكَ كنتَ تأتيني بالرَّقَّة ، قلت : نعم ، قَالَ : كنت تأتيني وتُلْطفني كثيرًا ، لستَ مولاي بل أنتَ أخي ومنّي . أُدْنُ مِنّي ، فإنّي أجدُ وحشةً شديدة ، فضممته إليّ ، ثمّ قَالَ : يا أحمد ، ما فعل أخي ؟ قلت : هُوَ حيّ ، قَالَ : قبّح الله صاحب البريد ما أكذبه ، كَانَ يَقُولُ لي قد مات ، قلت : بل قبّح الله وزراءك ، قَالَ : لا تقُل ، فما لَهُم ذنب ، ولست بأول من طلب أمرا فلم يقدر عليه ، قَالَ : ما تراهم يصنعون بي ؟ يقتلوني أو يَفُون لي بأمانهم ؟ قلت : بل يَفُون لك يا سيّدي ، وجعل يمسك الخِرْقة بعضُدَيْه ، فنزعتُ مبطَّنةً عليّ ، وقلت : أَلْقِها ، فقال : ويْحك ! دعني ، فهذا مِن الله لي في هذا الموضع خير كثير . ثمّ قمت أوتِر ، فلمّا انتصف اللَّيْلُ دخل الدار قوم مِن العجم بالسيوف ، فقام ، وقال : إنّا لله وإنّا إِلَيْهِ راجعون ، ذَهَبَتْ - والله - نفسي في سبيل الله ، أما مِن حيلةٍ ، أما مِن مُغيث ؟ فأحجموا عَنِ التقدُّم ، وجعل بعضهم يَقُولُ لبعض : تقدَّم ، ويدفع بعضُهم بعضًا ، فقمت وصرتُ وراء الحُصُر المُلَفَّفة ، وأخذ محمدٌ بيده وسادة ، وقال : ويْحكم إنّي ابن عمّ رسول الله ، أَنَا ابن هارون ، أَنَا أخو المأمون ، الله الله في دَمي ، فوثب عَلَيْهِ خمارويه - غلام لقريش الدنْدانيّ - فضربه بالسيف عَلَى مقدَّم رأسه ، فضربه محمد بالوسادة ، واتّكى عَلَيْهِ ليأخذ السيف مِن يده ، فصاح خمارويه : قتلني قتلني ، فتكاثروا عَلَيْهِ فذبحوه مِن قفاه ، وذهبوا برأسه إلى طاهر . وذُكِر عَنْ أحمد بْن سلام في هذه القصّة ، قَالَ : فلقَّنْته لما حدَّثته ذِكَر الله والاستغفارَ ، فجعل يستغفر .